الزوايا في الجزائر

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

لقد عرف تاريخ الجزائر السياسي والثقافي والديني زوايا عظيمة كان لها دور عظيم في نشر الوعي الديني والثقافي, وتحرير البلاد من السيطرة الاستعمارية, كما كان لها الدور الكبير في الحفاظ على الهوية الوطنية ومقومات الشخصية الوطنية.

1.    الدعوة إلى الله.

2.    تبصير الناس بأمور دينهم.

3.    التمسك والمحافظة على شعائر الدين الإسلامي ومعالمه.

4.    الدعوة إلى الجهاد.

5.    مراكز علمية.

وإذا كانت الرابطات نشأت أول ما نشأت بالمشرق في مطلع الدولة العباسية, وهي عبارة عن ثكنات عسكرية وأمكنة لتجميع الجيوش للدفاع عن الدولة ودفع المغيرين والهاجمين عليها من النصارى, كأربطة العباسيين بثغور الشام, فإن الرباط الجزائري كان أكثر نفعا وأبعد أثرا, إذ أن مهمته لا تقتصر على الدفاع فقط, بل يزيد على ذلك بأنه معهد علمي تدرس به سائر العلوم وخاصة الدينية, وهو مكتبة جامعة تضم نفائس الكتب والمخطوطات, وهو مستشفى لعلاج المرضى, ومأوي يضم الفقراء والمساكين ومن لا ملجأ لهم.

ولم تعرف الجزائر الزوايا إلا بعد القرن الخامس الهجري, ومع مرور الزمن تطور أمر الزاوية وزادت أهميتها, وخاصة خلال القرن العاشر الهجري, بعد سقوط الأندلس, وامتداد الأطماع الأوربية إلى السواحل الجزائرية.

•    مصطلح الزاوية:

تعريفها:

أ ـ لغة: كلمة زاوية مشتقة من الفعل انزوى، بمعنى اتخذ ركنا من أركان المسجد للاعتكاف والتعبّد. كما يطلق على الزوايا لفظ: الخوانق، وهي جمع خانكاه. كلمة فارسيّة تعني بيت، وأصلها خانقاه، وهي الموضع الذي يأكل فيه الملك.

ولفظ زاوية مشتق من زوى، ويقصد به: زوى، زُويا، زيا الشيء، أي جمع الشيء وقبضه، كما تعني الركن. ولما تكلم مؤلف "قوت القلوب" على أقسام العلماء ذكر منهم الخاصة وهو" العالم بعلم التوحيد والمعرفة وهؤلاء أهل الزوايا وهم المنفردون".

ويقول الشيخ السنوسي: " إن كلمة الزاوية دال على معناها، وهي من زوى، يزوي إذا جمع الشيء". وبالتالي فالزاوية جامعة، لكونها تجمع العباد على حب الله ورسوله، وذكره تعالى، وكانت العرب تقول:" تزاوى القوم "، أي تضامنوا، وتحلقوا في بقعة لغرض ما من أغراض الحياة.

وكما هو معروف أن أهل الزاوية يتحلقون، ويجتمعون ذاكرين الله تعالى، ومنه فاللفظ مشتقّ من الفعل . انزوى .

ب ـ إصطلاحا:

لعل أقدم تعريف لها هو ما ورد عن ابن مرزوق الخطيب (ت 781هـ = 1319م) في كتابه ((المسند الصحيح في مآثر مولانا أبي الحسن)) في قوله: " هي المواضع المعدة لارفاق الواردين وإطعام المحتاجين من القاصدين". ثم ذكر أن الزاوية هي ما يعرف في المشرق بالرباط.

على أننا في دائرة المعارف الإسلامية نجد لها تعريفا شاملا:" يطلق هذا اللفظ في شمال إفريقيا على مجموعة من الأبنية ذات طابع ديني: غرفة للصلاة، ضريح لأحد المرابطين أو ولي من الأشراف تعلوه قبة، غرفة قصرت على تلاوة القرآن، مدرسة لتحفيظ القرآن، غرفة مخصصة لضيوف الزاوية والحجاج والمسافرين، وغرف للطلبة، ويلحق بالزاوية عادة مقبرة تشمل قبور أولئك الذين أوصوا في حياتهم أن يدفنوا بها."

ويمكن تعريفها أيضا بأنها مدرسة دينية، ودار لضيافة الأغراب، وتعتبر مراكز لمشائخ الطرق الصوفيّة، مخصّصة للعلم، والثقافة العربيّة الإسلاميّة في مراحل الدراسة.

ويظهر أن مصطلح "زاوية" لم يتحدد معناه إلا بعد عصر الغبريني الذي كان من الأوائل الذين ذكروا مصطلح زاوية في كتاباتهم, ففي ترجمته للشيخ أبي زكريا الزواوي نجد ما يلي: "... ثم دخل زاويته دون أن يختم مجلسه بالدعاء المعهود عنه", وفي مقام آخر ذكر الرابطة ففي ترجمة ابن يبكى وصفه بـ" صاحب الرابطة المعروفة الآن رابطة بن يبكى بداخل باب أمسيون من أعلى سند بجاية".

وقد نشأت الزاوية تحت ظروف بيئية واجتماعية ودينية معينة، وعرفت تطورها الكامل في القرن 14م أثناء الفترة المرينية وحكم بني عبد الوادي، الذين أخذت الزوايا في عهديهما شكلها الأخير وإطارها المحدد المعروف.

اشتهر الكثير من سلاطين الدولة الزيانية ببناء الزوايا والتحبيس عليها, مثلما جاء في مناقب السلطان أبي فارس عبد العزيز ( 796 / 837هـ) والسلطان أبي عمرو بن عثمان. وقد حرص الكثير من سلاطين بني مرين على بناء الزوايا والاهتمام بها, مثلما هو الحال بالنسبة للسلطان يعقوب بن عبد الحق ( 685 / 706هـ): " وبنى الزوايا في الفلوات وأوقف لها الأوقاف الكثيرة لإطعام عابري السبيل وذوي الحاجات..".

واستمرت عمليات بناء الزوايا والتحبيس عليها مع كل سلاطين بني مرين تقريبا, مثلما قام به السلطان أبو عنان: "ومن تلك الأحباس ما عيّن برسم المدارس والزوايا والمارستانات المعدة للرفق بأهل البلايا". ومن حيث المعمار جمعت الزاوية بين تقليد الرباط وبين الروح الجديدة التي أشاعها التصوف.   

وهي تمثل أكمل تطور اجتماعي مرت به الحركة الصوفية في المغرب العربي. فمنذ القرن السابع الهجري بدأت تتكون الجماعات الصوفية في بلاد المغرب الأوسط،  ـ وكان التصوف قبل هذا يقتصر على الأفراد، وهذا ما نستنتجه من خلال انتشار الزوايا ـ، وبدأ تطورها التدريجي: فمن ركن أو مسجد صغير مخصص للعبادة والصلاة والذكر، إلى مكان لإرفاق الواردين وإطعام المحتاج إلى مؤسسة فريدة قائمة تؤدي عدة مهام وأدوار في أوساط المجتمع.

واستقر مفهوم الزاوية فيما بعد على المكان الذي يلتقي فيه المتعبدون الراغبون في الحياة بمعزل عن العالم، لكنها احتفظت إلى جنب ذلك بالوظائف التي مارستها في بداية نشأتها، كمكان يستقبل عابري السبيل وطلبة العلم. وتؤدي وظائف مختلفة.

•    بين الزاوية والرباط:

ارتبطت نشأة الرباط بالجهاد وحراسة الثغور البحرية, وبلغت أوج تطورها في عهد الوالي هرثمة بن أعين ( 179/ 181هـ= 793 / 795م ).

لم يكن بها معلمون دائمون, بل كان يتردد عليها العلماء والزهاد أمثال الإمام سحنون, للتعبد وإلقاء الدروس والمحاضرات.

استمرت في أداء دورها ونشاطها إلى نهاية النصف الأول من القرن السابع الهجري, حيث تركت وظائفها ونشاطها للزاوية التي أضافت إليها بعض الأدوار الأخرى.

وبالتالي يمكننا القول أن الزاوية في المغرب العربي هي الرابطة في بداية نشأتها وتطورها.

ويرى ابن مرزوق الخطيب ـ كما مرّ معنا ـ أن لفظ الرابطة يطلق على هذا النوع من المؤسسات بالمشرق وبالمغرب يعرف بـ " الزاوية " أي أن الاختلاف في اللفظ فقط بين المشارقة والمغاربة, وأن لا اختلاف بين المؤسستين.

•    من أقدم الزوايا بالجزائر:

وقد عرفت الجزائر بدورها عددا هاما من الزوايا أدت دورها على أكمل وجه وأحسن صورة، وانتشرت انتشارا واضحا, سواء في الأرياف أو في المدن, وعمت كل جهات الوطن تقريبا, خاصة الغرب والوسط, كما انتشرت في منطقة القبائل انتشارا كبيرا, خصوصا بعد الاحتلال الإسباني لمدينة بجاية. وربما أقدم زاوية بالجزائر أشارت إليها المصادر هي:

1 ـ رباط بونه: وهو المعروف برباط مروان البوني, أسسه أبو عبد الملك، الأندلسي الأصل، سكن بونة (عنابة) من بلاد الجزائر وكان من الفقهاء المتفننين. مات قبل الأربعين وأربعمائة (440هـ= 1048م)، بعنابة ودفن بها وقبره من أشهر المزارات بالشرق الجزائري.

2 ـ زاوية عبد السلام التونسي في تلمسان: أسسها الشيخ أبو محمد عبد السلام التونسي, من صوفية المغرب العربي, وكانت وفاته بتلمسان عام 589هـ= 1193م, ودفن بالعباد وهو الذي دفن الشيخ أبو مدين بجواره في روضته فيما بعد. كانت تقوم بوظيفتين أساسيتين هما الانقطاع للتعبد والاجتماع مع الطلبة, وكان الشيخ عبد السلام التونسي يلقنهم مبادئ التصوف وعلوم أخرى. من الذين تخرجوا منها الشيخ محمد بن محمد الهواري الأبرش.

3 ـ زاوية أبي زكريا الزواوي: أسسها الشيخ الفقيه الولي الصالح أبو زكريا يحي بن أبي علي المشتهر بالزواوي ( ت 611هـ)، خارج مدينة بجاية، باب البحر، بعد عودته من المشرق، وجلس بها لنشر العلم وبثه والدعوة إلى الله، فانتفع الخلق على يديه، وكان يدرس بها أيضا علوم الحديث وعلوم الفقه والتصوف، كما تولى التدريس بها الشيخ الولي الصالح أبي مدين الغوث.

4 ـ  زاوية ابن يبكى البجائي: عبد الكريم بن عبد الملك القلعي البجائي (توفي بداية القرن السابع الهجري)، من أهل قلعة بني حماد، وتقع زاويته داخل باب أمسيون من أعلى سند بجاية، وهو الموقف لأوقافها الكثيرة المعروفة.

5 ـ زاوية ملارة بقسنطينة: أسسها الشيخ يعقوب بن عمران البويوسفي (630/ 717هـ) ـ والد جد ابن قنفذ لأمه ـ تقع على بعد مرحلتين إلى الغرب من قسنطينة. نشرت التصوف بمنطقة قسنطينة.

6 ـ زاوية الشيخ أبي حجلة بتلمسان: أسسها الشيخ أبو حجلة التلمساني, كان معروفا بالصلاح والتقوى والزهد والتصوف, جاء ذكرها عند ابن حجر في ترجمته لابن أبي حجلة: "ولد بزاوية جده بتلمسان سنة خمس وعشرين وسبعمائة (725هـ)".

7 ـ زاوية سيدي الحلوي بتلمسان:  (ق 8هـ ) من أشهر مزارات مدينة تلمسان، تقع خارج سور المدينة من ناحية الشمال، شيدها سنة 754هـ السلطان المريني أبي عنان، على ضريح الولي الصالح الشيخ سيدي الحلوي، اندثرت لم يبق منها إلا المسجد الجامع, وهو يشبه كثيرا في نمط بنائه مسجد الشيخ أبي مدين الغوث بالعباد.  ذكرها ابن مريم في كتابه البستان على أنها مقر للصالحين وملتقى للأولياء والعلماء.

8 ـ زاوية الحسن بن أبي القاسم بن باديس: (ت 787هـ ) أسسها الشيخ حسن بن أبي القاسم بن باديس ـ وأسرة ابن باديس من أكبر الأسر العلمية والدينية بقسنطينة ـ الذي كان من مشائخ الطريقة القادرية التي أخذها عن شيخه صلاح الدين العلائي ببيت المقدس. عرفت شهرة كبيرة، توفي الشيخ بن باديس سنة 787هـ ودفن بزاويته.

•    الزوايا في عهد الاحتلال:

لعل أحسن وأدق عبارة تلخص لنا الصراع المرير الذي كان دائرا بين الزوايا والمحتل الأجنبي بالجزائري، هي عبارة الأستاذة " ايفوان توران ": " وحاولت فرنسا إنشاء مدارس عربية فرنسية ثم المكاتب الإسلامية ثم مدارس عربية بحتة، ولم يلتحق الجزائريون إطلاقا بأي من هذه المدارس، بل لقد هدمت في أوقات الانتفاضات ومنها انتفاضة 1871، في برج بوعريريج ومازونة وبجاية، لأنها ( مدارس النصارى) وقامت حرب المدارس، وقد اشتكى ضابط من مستغانم من مقاطعة المدارس وتأثير الزوايا في الشباب وفقدت المكاتب العربية قوتها وخسرت المعركة".

اكتشف الفرنسيون إذن وجود الزاوية كمركز أساسي يأوي المقاومة ولاسيما المقاومة الثقافية، إن المقاومة المسلحة ذات طبيعة سياسية ثم إنها مؤقتة، أما المقاومة النفسية فدائمة، بل هي حرب نفسية حقيقية، ابتكرتها الزوايا في القرن التاسع عشر.

وجملة القول: أن تأسيس الزوايا في الجزائر أدى إلى عدة نتائج:

ـ حيث انتشر بواسطتها التصوف السني.

ـ وتعددت طرق وأساليب التربية الصوفية.

ـ وأصبحت مكانا فسيحا لتدريس العلوم النقلية والعقلية, فدعمت بذلك المسجد في بعض وظائفه,  ونشرت التعليم لدى الشرائح الدنيا من المجتمع, طالما أن مؤسسة المدرسة لم تظهر في المغرب الإسلامي.

ـ مراكز للثورة ضد المحتل الأجنبي، لجمع الرجال والمال والسلاح وشحذ الهمم، وقواعد خلفية للمجاهدين.

أما على الصعيد الاجتماعي والسياسي فقد نمت وتطورت أهميتها لدى العامة فأصبحت قبلة للناس لطرح مشاكلهم وانشغالاتهم, ومكانا يلجئون إليه وقت النوائب, وقد أدركت السلطة أهميتها وقدسيتها لدى العامة, فبادرت إلى تأسيس الزوايا, والسهر على إنجاح دورها الديني والتعليمي, التماسا لإرضاء الرعية وتنشيطا للحياة الثقافية.

 

صفحتنا على الفايس بوك

عدد الزوار

mod_vvisit_counterهذا اليوم1
mod_vvisit_counterبالأمس45
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع93
mod_vvisit_counterهذا الشهر899
mod_vvisit_counterالمجموع14804

الإحصاءات

عدد اعضاء الموقع : 11
محتويات الموقع : 137
زيارات مشاهدة المحتوى : 21736